مكانة المحادثة الفكرية والأدبية عند الإسلاميين

الحرية تي في - الحرية تي في آخر تحديث : 6‏/4‏/2024 21:59

 

سعيد أمرير.jpg (34 KB)

سعيد أمرير

كتبت قبل أيام مقالا سميته "تحَوّط الإمام وتعففه"،وتوقفت فيه مع هذا الخلُق الرفيع في حياة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ، وضربت لذلك أمثلة حية من سيرته العطرة ، لكني خشيت أن يفهم كلامي على غير قصده ، وينسب إلي أني أقول بأن قيادة الدعوة والحركة لا بد بالضرورة أن تكون على هذا المستوى من العفة ، وأن لايجوز لها أن تأخد من مال الدعوة ما تستعين به على حوائجها الشخصية والأسرية مقابل تفرغها للدعوة والحركة ، بل إن الإمام نفسه أشار في غير ما مكان إلى أن نجاح الدعوة رهين بتفرغ ثلة من المومنين والمومنات ، وإلى عدم الإكتفاء بالجهد التطوعي ، وقد تفرغ الخلفاء الراشدون للحكم وجعلت لهم الأمة أجرة تغنيهم عن الإشتغال بهم الرزق والسعي .

إنه من غير المقبول أن تعتمد الدعوة والحركة في عملها على العمل التطوعي الفردي ، بل لا بد لها أيضا من تأسيس معاهد ومؤسسات علمية وفكرية تساعد في رسم الخطة السياسية والإقتصادية ، وتطوير الخطاب الدعوي الذي يحتاج دائما إلى تطوير وتجويد ، ولا حرج في أن تنفق الحركة على هذه المؤسسات من مال الدعوة ، فإن هذا من أبواب البذل والإنفاق المشروعة .

ولقد عثرت قبل أيام على كلام نفيس لسيدنا عمر بن عبد العزيز سادس الخلفاء الراشدين يتدفق علما وحكمة أورده الفيلسوف الأديب أبو حيّان التوحيدي في كتاب"الإمتاع والمؤانسة". قال صاحب "الإشارات الإلاهية" :

"وأحسن من هذا ما قال عمر بن عبد العزيز قال: والله إني لأشتري المحادثة من عبيد االله بن عبد االله بن عتبة بن مسعود ( كان من صلحاء التابعين ومن معلمي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ) بألف دينار من بيت مال المسلمين. فقيل: يا أمير المؤمنين، أتقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك وتنزهك? فقال: أين يُذهب بكم? والله إني لأعود برأيه ونصحه وهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف دنانير، إن في المحادثة تلقيحا ً للعقول، وترويحا ً للقلب، وتسريحا ً للهم، وتنقيحا ً للأدب".ص17.

نستفيد من هذا النص :

1-تحري القيادة وشدة تحفظها وتنزهها لا يمنع من الإنفاق القاصد والرشيد في المجالات التي تعود على الدعوة والحركة بالفائدة المادية أو العلمية أو الأدبية ، كالمؤتمرات والسفريات والإستشارات ، وغيرها من الأنشطة لكن بالشروط العمرية!

2-جرت العادة أن يقتصر اهتمام الإسلاميين على الشأن السياسي والإقتصادي مع إهمال شبه كامل للعلوم الإنسانية مثل الفلسفة و الأدب والفنون والتاريخ والأنثروبولوجيا وغيرها من المجالات غير ذات النفع المباشر والسريع!

ومن نتائج هذا الأمر أنك تلاحظ فراغا كبيرا في المجال الثقافي الأدبي الفني والذوقي داخل الحركة الإسلامية ، ونظرة عوراء إلى الكون واستعلاء على الآخر لجهلنا به وبنا !

وإن إطلالة سريعة على بعض البرامج التي تعتمدها الحركة الإسلامية ليؤكد هذا، فدرس السيرة النبوية على سبيل المثال يكاد يقدم لنا الجيل الأول كأنهم مجموعة من الغزاة لا ينتهون من غزوة إلا ليستعدوا للأخرى في تغييب شبه تام للجانب الإنساني العاطفي والإجتماعي لهم .

وأعتقد أنه ينبغي القطع مع هذه العقلية التي لا تتحمس كثير إلى "المحادثة الفكرية والثقافية " وتعتبرها من عمل البطّالين ، بينما سيدنا عمر بن عبد العزيز مستعد ليشتري بألف دينار من مال بيت المسلمين المحادثة التي تلقح العقول بالحوار والمذاكرة كالمحاضرات والندوات ، وتروح القلب ، وتسرح الهم كالوعظ والأدب والفنون ، وتنقح الأدب ، أي تصلحه وتهذبه كالفنون والتربية الذوقية .

 



مكانة المحادثة الفكرية والأدبية عند الإسلاميين
رابط مختصر
6‏/4‏/2024 21:59
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة "الحرية تي في" وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.