مآلات توقيع "شيك 20 فبراير"

الحرية تي في - الحرية تي في آخر تحديث : 22‏/1‏/2019 8:27 م

عبد القادر الدحمني

FB_IMG_1548192418961.jpg (340 KB)

جميلة هي هذه الحيوية في انتقاد بنكيران وبعض السياسيين المنتفعين من منظومة الريع، ومقارنة شعاراتهم بسلوكاتهم، ومقدماتهم بخواتمهم ومآلاتهم..


لكن سيكون الأمر تحاملا غير بريئ، إن عزلنا بنكيران لوحده دون أدنى نظر إلى باقي رؤساء الحكومات السابقة وباقي "خدام الدولة"، وإن ركزنا على الملايين التي أعطيت لبنكيران دون الملايين "المًمَلْيَنة" التي أعطيت لأمثاله وأضرابه، ممن خدموا أهداف المخزن بصدق، ودافعوا باستماتة عن توابث التسلّط وكرّسوا القناع الديمقراطي الزائف أكثر من غيرهم، سيكون ذلك انتقائية غير بريئة، وخدمة شعبوية مجانية لتيارات سياسية لا تسعى في الأخير إلا إلى منافسة نفس التيار على نفس الكراسي والأعطيات والمكاسب المتساقطة من "الفوق" بلا حسيب ولا رقيب..


وسيكون الأمر غير عادل، إن تحدّثنا عن تبذير الأموال العمومية، وصرفها بغير وجوهها الحقة والقانونية، إن ركّزنا على المستفيد المتسلّم، دون أن نشير، ولو أدنى إشارة إلى المانح الآمر بالصّرف، ومنظومة ذلك الصّرف والمنح، وكيف يتم، ووفق أية قواعد، وبناء على أيّة ديمقراطية في الكون، ولنتذكّر جيدا قضيّة "خُدّام الدّولة" وقضيّة المأذونيات الكُبرى، مثالا لا حصرا..، صحيح أن "البنكيرانية" قد أمعنت في إطلاق الشعارات الكبرى، وأمعنت في التبرير والتدوير، وجعلها المخزن تؤدّي الفاتورة بنفس الشروط، وتذوق من نفس الكأس، عبر الاستفادة من الريع، وتكريس نظام الأعطيات والهبات، وليس الاستحقاق القانوني، في مقابل الإمضاء الأعمى وغير الأخلاقي على ضرب الطبقات الشعبية الدنيا، ومحاولة إقناعها بالصّبر والتحمّل فداء لتوازنات، لا يريد المتسببون فيها أن تتطوّر، وفداءً لمنطق تبريري متهافت، لا يوازن بين التضحية وبين المقابل، ولو في الأفق الواضح..


وبالتالي، علينا ألا نسقط في التبسيط والتسطيح والتهييج الشعبوي الساذج، لأن المنظومة بكاملها تحتاج إلى إعادة نظر كلية، لأنها مبنية على سياسة النفق ذي المخرج الأوحد: لن تفوز إلا بشروط مخزنية متحكّم فيها، ولن تشكل الحكومة إلا بشروط مخزنية ظاهرة وباطنة، ولن تحكم إلا ببرنامج مخزني واضح جلي، ولن تملك القدرة على الخروج من النفق، والعودة إلى وضعك الأول لأن "المخزن لا يلعب" يا حبيبي، وبالتالي فإن أي واحد، سيمر من نفس المراحل، وسينتهي إلى نفس المآلات، مهما كان لونه الإيدولوجي، وانتماؤه السياسي، لأن الجميع يوقّع على شيك خدمة المخزن، والقبول بشروط لعب خارج القانون، وبتسويات ضد "الإرادة الشعبية" على ضآلتها في ميزان نسب التصويت ولعبة الانتخابات في بلدي العزيز.


ولذلك، فإن بنكيران الآن يُجلَد أمام الملأ، لأسباب وعلل حذّرنا منها منذ البداية، أوّلا، لأنه "من الخيمة خرج مايل" وقدّم نفسه وحزبه، على أساس أحسن خادم ممكن للملكية في عزّ أزمتها بتصاعد الحراك الشعبي إبان موجة 20 فبراير، وبالغ في إطلاق الشعارات العريضة و"الغليظة"..


ويُجلَد بنكيران أيضا لأن تيّاره، مارس التبوريدة "زيادة عن اللزوم" أيام المعارضة وزايد على كل شيئ، هاجم رموز الدولة العميقة، والمهرجانات، وتقاعد الكبار، وأطلق النار على كل ما كان يتحرك، طبعا دون أن يجرأ على طرح بنية النظام المخزني أو الملكية للنقاش، ولذلك فهو الآن يؤدي الفاتورة كاملة، مع رسوم التسجيل والتأخير.


ويُجلد بنكيران أيضا، ويُرجم حزبه السياسي، لأن النظام استعاد زمام الأمور بعد الانحناء الطفيف للربيع العربي، الذي سوّقه بنكيران وحزبه على أنه الفتح المبين، لماذا؟ لأن المخزن يكره الإسلاميين ابتداءً وبلا مقدّمات، وبجيمع تلاوينهم، كما هو معروف من تصريحات رموزه "بالعلاّلي"، ولذلك فإنه يطلق جميع "أبواقه" و"وضواريه" لنهش العدالة والتنمية، ويتبعهم الغاضبون من المتضررين المساكين، وينخرط في العملية، التزاما بالمبدأ، حتى من يشاركونهم الإطار المرجعي العام، لكن العملية برمّتها، وبعيدا عن الغضب والاستياء وحق النقد، تخدم ثلاثة أهداف كبرى:


1- ضرب الإسلاميين في المجمل، والتركيز على الرموز، وقصدية الخلط بين تياراتهم، لتجريمهم أمام المجتمع بشكل عام، وتعييبهم برمّتهم، عبر إباحة الدعاية والتشنيع وإطلاق السباب والقذف، وإهدار "دمهم" السياسي..


2- القتل الرمزي للاعبين السياسيين الثانويين والحط من أدوارهم المرتقبة، وإفراغ الحزبية من محتواها بشكل تام، لتبقى الملكية فاعلا وحيدا ممسكا بخيوط اللعبة، في عملية إعادة إنتاج كاملة للتسلّط التقليدي في إطار ملكية تنفيذية لا زال بنكيران يملك لسانا ليؤكد عليها دون أن تطرف له عين.


3- تحييد القوة الشعبية للإسلاميين، في انتظار طبخة صغيرة، تستبدل قطع الغيار، وتقدمّ لونا سياسيا آخر، داخل نفس منظومة الريع والتسلّط، وبنفس الأدوات العتيقة، لكن بإسناد مؤسساتي هذا المرة، وبرأس مال سيتم تجميعه قهرا، من جيوب التجار، بعد صناديق التقاعد، في ظل غياب فاضح لعدالة ضريبية متّزنة، وفي ظل تباطؤ رد الفعل المطلوب لإيقاف النموّ المطّرد "لدولة الجباية"، وهو ما سيكرّس وضعا أشد بؤسا، ويفتحه على احتمالات غير متوقّعة، إلا إذا كانت هناك مبادرة جريئة لإيجاد مخارج قبل انفجار التشنّج العام الذي نعيشه.

مآلات توقيع "شيك 20 فبراير"
رابط مختصر
22‏/1‏/2019 8:27 م
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة "الحرية تي في" وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.