صيادلة المغرب على حافة الإفلاس

الحرية تي في - عثمان أباط آخر تحديث : 27‏/12‏/2018 4:47 م

580-2.jpg (246 KB)
يشعر الصيدلاني المغربي د. وائل التوكي  بكثير من الأسى الممزوج بالحسرة وهو يرى أحلامه تتحطم أمامه واحدة تلو الأخرى. إنه اليوم قاب قوسين أو أدنى من ترك مهنته التي أحبها وقضى من أجلها سنوات من الدراسة، وتغرب في سبيلها في أكثر من بلد.

وبصوت لا يكاد يكون مسموعا إلا بمشقة، يقول التوكي لتاحقيق انفردت به "الجزيرة نت"  "حصلت على الدكتوراه بعد دراستي في كل من السنغال وأوكرانيا، كان حلمي الكبير أن أقدم المساعدة للناس كما علمني الله، لكني الآن في حاجة إلى مساعدة".
 
صعوبات
يوجد أكثر من 3500 صيدلاني في وضعية إفلاس، بينما يتدبر حوالي خمسمئة آخرين أمور عيشهم بصعوبة، كما جاء في بلاغات متطابقة لنقابات الصيادلة في المغرب.
هذه الوضعية دفعت المهنيين إلى تنظيم وقفة احتجاجية والتهديد بإضراب، بينما سارعت الوزارة إلى عقد جلسة حوار معهم.
يشرح التوكي بكثير من الألم يومياته، ويقول إنه يعاني من ضيق كبير نتيجة غلاء المعيشة وضعف هامش الربح، ويضيف "تعرضت لحادثة سير، أدخلتني المستشفى، وكان النقطة التي أفاضت الكأس لأن غيابي عن صيدليتي شل مرافقها وترك الديون تتراكم علي".
ويتساءل "هل يعقل أن يطبق نظام ضريبي مزدوج على الصيادلة وحدهم، وهل يبقى من يؤمن صحة المواطنين بدون تغطية صحية ولا تأمين على المرض؟".
يخرج صوت التوكي مشوبا بحشرجة "غياب أي دعم أو تعويض من الدولة، يترك الصيادلة في دوامة حقيقية حين يتعلق الأمر بمثل هذه الحادثة أو حتى في حالة ولادة مستعصية لزوجاتهم تتطلب مصاريف إضافية".
 
حجز ومحاكم
أما د. سالم -فضل عدم ذكر اسمه كاملا- فيقول وعينه تكاد تدمع إنه تعرض للإفلاس، ووجد نفسه وحيدا بعدما اضطر إلى مغادرة شقته والعودة إلى غرفة منعزلة في بيت والديه. أزمته المالية عصفت بأسرته الصغيرة وجعلت زوجته مع ولديهما تغادر أيضا إلى بيت أسرتها.
منظر المفوض القضائي وهو يبلغه قرار المحكمة بالحجز على ممتلكاته ما يزال عالقا في ذهنه كأي ذكرى أليمة تحتاج إلى صبر ودعم نفسي.
غفلي يؤكد أن الصيدلي لا يجد في مثل هذه الحالات غير سبيل التضامن من طرف زملائه، لكن في بعض الحالات تكون المصاريف أقوى من أية عملية مؤازرة.
ويوضح أن الوقوف على حافة الإفلاس يعود بالأساس للهشاشة التي يعانيها الصيادلة، نتيجة غلاء المعيشة وكثرة الضرائب مقابل ربح ضعيف.
وأوصلت الصعوبات المالية عددا من الصيادلة إلى المحاكم "فمنذ ثلاث سنوات والملفات المعرضة للحجز القضائي في تزايد مخيف" كما توضح المحامية زهرة خلوق في تصريح للجزيرة نت.
خلوق أشارت إلى أن الديون المتراكمة قد تصل إلى مبالغ مالية مهمة تساوي أو تفوق بأضعاف رقم معاملات الاستثمار في صيدلية.
يعود غفلي ليقول "معاناة الصيادلة تزيد مع ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، فهم يلجؤون إلى دفتر استدانة مثلهم مثل أي بقالة في الحي، وفي بعض الأحيان لمبالغ صغيرة تصبح كبيرة مع تعدد الزبائن".
وتوصي منظمة الصحة العالمية باعتماد صيدلية لكل خمسة آلاف مواطن، لكن الرقم يصل إلى النصف فقط في المملكة.
كما لا يتجاوز استهلاك الأدوية للفرد أربعمائة درهم  سنويا، حيث ينفق المغاربة فقط 4.5 مليارات درهم  سنويا على الأدوية، وهي أرقام ضعيفة مقارنة مع دول عربية أخرى.
يقاوم التوكي -بمساعدة من صديقه د. هشام- من أجل العودة إلى مهنته بعدما تركها، لكن أمثاله ممن يعيشون صعوبات اختاروا طريقا آخر، فمنهم من ترك المهنة فعلا وهاجر أو أغلق صيدليته وعمل في مختبر صيدلي، أو حتى تحول إلى مرشد سياحي أو وكيل عقاري، كما يشير إلى ذلك د. طارق غفلي نائب رئيس نقابة الصيادلة .
وقال غفلي "يشتكي الصيادلة من الحيف الضريبي، والخلل في تحديد سعر بيع الأدوية، إضافة إلى عدم تحيين النصوص القانونية، كما أن عددا من المستلزمات الطبية واللقاحات تباع خارج الصيدليات".
 
مطالب على الطاولة
ووقد أكد د. حسن عاطش عضو المجلس الوطني للصيادلة والكاتب العام لمجلس الصيادلة بالشمال ؛ في ذات التحقيق؛ بأن مجلس الصيادلة على خط واحد مع المهنيين، ولا يمكنه إلا أن يزكي نضالاتهم من أجل تحسين أوضاعهم.
ويشرح بأن المعدل الصافي لربح الصيادلة لا يتعدى خمسة آلاف درهم شهريا (523 دولارا) ذلك أن النظام الجبائي المطبق على نشاط الصيدلي مزدوج، من جهة يخضع لقانون التجارة ومن جهة ثانية يخضع لقانون الصحة وأخلاقيات المهنة.
ويضيف أن الصيدلة ليست نشاطا تجاريا محضا، بل هي ممارسة لمهنة طبية مما يجعلها من المهن الأكثر تأطيرا بالقوانين.
ويؤكد عاطش أن الصيدلاني ينتظر على وجه السرعة تفعيل القوانين الموجودة، إلى جانب الإسراع بإخراج دستور الأدوية كمدخل أساسي لضمان جودة وسلامة الأدوية وركيزة ضرورية للسياسة الدوائية.
 
منافسة غير شريفة
ويشير عطاش إلى أن الدواء يروج عبر مسالك غير مشروعة أحيانا، وخارج الإطار القانوني، وهذا ما يشكل في حد ذاته خطرا على صحة المواطنين، فضلا عن أنه يجعل مهنة الصيدلة في مواجهة المنافسة غير الشريفة.
ويذهب مذهب المهنيين بمنح الصيدلاني الحق في استبدال الأدوية، بالتقيد بالاسم العلمي للدواء بدل الاسم التجاري، وهو قرار برأيه يصب في مصلحة ترشيد نفقات المنظومة الصحية، وتقوية التغطية الصحية، وملء الفراغ الحاصل جراء اختفاء الأدوية من السوق.
وردا على مطالب الصيادلة، قال وزير الصحة أنس الدكالي إن الوزارة بصدد تحديد لائحة حصرية للأدوية التي تصرف بالمصحات، مع إحداث الوكالة الوطنية للأدوية والمنتجات الصحية.
كما أضاف في بلاغ عقب اجتماعه مع النقابات أن "قرار دستور الأدوية" في طور النشر، وأن القانون الخاص بهيئة الصيادلة في طور المصادقة.
وبخصوص مرسوم تحديد سعر الدواء، قال الوزير إن منظمة الصحة شرعت في دراسة تأثير هذا المرسوم، وسيتم بعد ذلك نشر نتائجها، والشروع في مراجعة مقتضيات هذا المرسوم بشراكة مع فاعلي القطاع.
أما المدير العام للضرائب -الذي حضر الاجتماع- فأكد استعداده للحوار مع جميع الأطراف قصد التمكن من معرفة حقائق وخصوصيات القطاع أولا، ومحاولة إيجاد حلول عملية تتماشى مع تطلعات الصيادلة.
صيادلة المغرب على حافة الإفلاس
رابط مختصر
27‏/12‏/2018 4:47 م
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة "الحرية تي في" وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.