مِقْمَعَة التَّخَصُّص.. وضَرْب التَّعْبير العمومي. !!

الحرية تي في - الحرية تي في آخر تحديث : 9‏/9‏/2018 5:51 م

 عبد الغني العجان

العجان.jpg (166 KB)
 لا أفهم بعض الدعوات إلى ترك النقاش في بعض القضايا للمتخصصين فحسبْ، دون عموم الجمهور، أو دون ترك متخصصٍ من مجال آخر ليدلي برأيه في الموضوع. كترك السياسة للسياسيين، واللغة للغويين، والسينما للسينمائيين، والثقافة للمثقفين، والتربية للتربويين، والبِيئة للبِيئِيِّين... ولا شك أن هذا الطرح يساير، في خلفيته، توجها يهدف إلى تضييق النقاش في قضايا التعبير العمومي، وحصره في السياقات التكنوقراطية الطبقية العلمية التقنية، أو الرسمية بعيدا عن الدوائر الخارجة عنها.


وهنا أستحضر الدعوة إلى ترك النقاش العام في موضوع إدراج العاميات المغربية في المناهج الدراسية، التي، في تقديري، لا حجةَ تُبرر لأصحابها دَعْوَاهم تلك. وكأنَّ القضيةَ مسألةٌ لغوية تقنية صرفة، لا يمكن الحديث عنها إلا في مختبرات اللسانيين، أو في أدبيات البيداغوجيين، وواضعي المقررات التعليمية، من دون أن نتصور حضورا لها في الزوايا التخصصية العلمية الأخرى، أو من دون أن يكون لها ظلال في السياقات الاجتماعية الخارجة عن دوائر التخصص والقرار الرسمي.


وهنا أتساءل: ألا يمكن لهذه القضية أن تُناقشَ من وجوه عديدة، أيْ بوصفها قضايا عدالة وقضاء، أو تاريخ وهوية، أو تربية وتعليم، أو سياسة وتخطط لغويين، أو قضية رأي عام، وغير ذلك من الوجوه ذوات العدد؟ أليستْ دعوة الجماهير إلى ترك الانخراط في هذا النوع من النقاش، يحرمنا حقا من الآراء المتنوعة والغنية التي يوفرها الحوار العمومي، لا سيما أن العديد من الخبراء والعلماء بشأن الرأي، لا يرون ضيرا في إشراك غير المتخصصين من خارج مؤسسة التخصص، لإثراء النقاش في موضوع محدد؟


وفي الجهة المقابلة، ألا يجعل التعبير، عبر الحوار العمومي في المنصات المفتوحة، من القضايا المطروحة أصلا للنقاش في قلب المشروع المجتمعي، الذي لا يمكن أن نتصور قيامه بعيدا عن رأي الجمهور الذي يُراد له أن يبقى في موقع التلقي غير الفاعل؟ ألا يمكن القول إن النماء في قضايا الثقافة والتربية والمجتمع، ليس بمقدوره أن يتحقق بمعزل عن رافعة الجمهور تفاعلا بالنقد البناء، والخلجات الصادقة المبثوثة؟
ومن الجانب الآخر الذي يهم التخصصات العلمية والتقنية، أليستْ هناك، مساحة للتفاعل العابر للتخصصات، وذلك مُسَايرةً لوعي قديم حديث في توليد المعرفة، بالميل نحو التعدد والتكامل في المعالجة؟ فلا ضَيْرَ مثلا، في تقديري، للمتخصص في اللغة والأدب والشعر أن يدلي بملاحظةٍ، أو تعليقٍ، أو تعقيبٍ، أو رأيٍ في “الأداء اللفظي” في مجال الطرب والغناء والموسيقا. كأنْ يُضَمِّنَ حديثه عن تجربة غنائية ما، نَقْدًا إن كانت الكتابة الفنية فيها تشكو من الحاجة إلى جرعات رمزية في الكلمات، أو تضيع فيها اللمحة الفنية، لا لشيء إلا لأنَّ لِعناصر الفن الغنائي مراتب يجب أن تُحْفَظَ، منها مَرْتبة التعبير بالكلمة الموحية ذات النَّفَس الشعري، والبعيدة عن الإغراق في السطحية المُباشرة.


إن التعبير العمومي، مادامت تسنده مبادئ الذوق العام، والقيم العليا المشتركة، وأخلاقيات الحوار، هو مجال فسيح لتخصيب الآراء وتوفيرها، وفرزها أيضا. فضلا عن وظيفته الجوهرية في قياس اتجاهات الرأي العام، وحاجياته ومتطلباته. لهذا، رَجاءً لا نجعل، من الدعوة إلى ترك هذا النوع من النقاش بدعوى عدم التخصص، مِقْمَعَةً (اسم آلة للقَمْع)، تزيد من مساحات التضييق على الحرية في مجالات التعبير، وإبداء النظرِ في شُؤونٍ الرأيُ المفتوحُ فيها قيمةٌ، وبناءٌ بأَيْدٍ وأصواتٍ جماعية.

مِقْمَعَة التَّخَصُّص.. وضَرْب التَّعْبير العمومي. !!
رابط مختصر
9‏/9‏/2018 5:51 م
أترك تعليقك
1 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة "الحرية تي في" وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.